أحمد بن يوسف الحلبي ( السمين الحلبي )
416
الدر المصون في علوم الكتاب المكنون
[ سورة الإسراء ( 17 ) : الآيات 86 إلى 87 ] وَلَئِنْ شِئْنا لَنَذْهَبَنَّ بِالَّذِي أَوْحَيْنا إِلَيْكَ ثُمَّ لا تَجِدُ لَكَ بِهِ عَلَيْنا وَكِيلاً ( 86 ) إِلاَّ رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ إِنَّ فَضْلَهُ كانَ عَلَيْكَ كَبِيراً ( 87 ) قوله : . . . مِنَ الْقُرْآنِ . . . في « مِنَ » هذه ثلاثة أوجه : أحدها : أنها لبيان الجنس ، قاله الزمخشري ، وابن عطية ، وأبو البقاء . وردّ عليهم الشيخ « 1 » : بأن التي للبيان لا بد أن يتقدمها ما تبينه لا أن تتقدم هي عليه . وهنا قد وجد تقديمها عليه . الثاني : أنها للتبعيض ، وأنكره الحوفي ، قال : « لأنه يلزم ألّا يكون بعضه شفاء » . وأجيب عنه بأن إنزاله إنما هو مبعض ، وهذا الجواب ليس بظاهر . وأجاب أبو البقاء بأنه منه ما يشفي من المرض . قلت : قد وجد بدليل : رقية بعض أصحابه سيّد الحيّ الّذي لدغ بالفاتحة فشفى . الثالث : أنها لابتداء الغاية . وهو أصح . والجمهور على رفع « شِفاءٌ وَرَحْمَةٌ » خبرين ل « هُوَ » ، والجملة صلة ل « ما » ، وزيد بن علي بنصبهما ، وخرّجت قراءته على نصبهما ، على الحال ، والخبر حينئذ « لِلْمُؤْمِنِينَ » ، وقدمت الحال على عاملها المعنوي ، كقوله : وَالسَّماواتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ « 2 » في قراءة من نصب « مَطْوِيَّاتٌ » ، وقول النابغة : 3132 - رهط ابن كوز محقبي أدراعهم * فيهم ورهط ربيعة بن حذار « 3 » وقيل : منصوبان بإضمار فعل ، وهذا عند من يمنع تقديمها على عاملها المعنوي . وقال أبو البقاء : « وأجاز « ورحمة » بالنصب عطفا على « ما » » . فظاهر هذا أن الكسائي أبقى « شِفاءٌ » على رفعه ونصب « رَحْمَةٌ » فقط ، عطفا على « ما » الموصولة ، كأنه قيل : وننزل من القرآن رحمة . وليس في نقله ما يؤذن بأنه تلاها قرآنا . وتقدّم الخلاف في « وَنُنَزِّلُ » تخفيفا وتشديدا ، والعامة على نون العظمة ، ومجاهد « وينزل » بياء الغيبة ، أي : اللّه تعالى . قوله : . . . وَنَأى . . . . قرأ العامة بتقديم الهمزة على حرف العلة ، من النّأي ، وهو البعد . وابن ذكوان ، ونقلها الشيخ « 4 » عن ابن عامر بكماله « ناء » بتقديم الألف على الهمزة ، وفيها تخريجان : أحدهما : أنها من : ناء ، ينوء ، أي : نهض . قال : 3133 - حتّى إذا معا التأمت مفاصله * وناء في شقّ الشّمال كاهله « 5 » والثاني : أنه مقلوب من نأى ، ووزنه فعل كقولهم في : رأى راء . إلى غير ذلك . ولكن متى أمكن عدم القلب ، فهو أولى . وهذا الخلاف جار أيضا في سورة « حم السجدة » ، وأمال الألف إمالة محضة الأخوان ، وأبو بكر ، عن عاصم ، وبين بين بخلاف عنه السوسي ، وكذلك في فصلت ، إلّا أبا بكر فإنه لم يمله ، وأمال فتحة النون في
--> ( 1 ) انظر البحر المحيط ( 6 / 74 ) . ( 2 ) سورة الزمر آية ، ( 67 ) . ( 3 ) تقدم . ( 4 ) انظر البحر المحيط ( 6 / 75 ) . ( 5 ) البيت في مشكل القرآن ( 204 ) ، البحر المحيط ( 6 / 75 ) ، روح المعاني ( 15 / 147 ) ، التهذيب واللسان « نوأ » .